Saturday, May 05, 2007

أوجاع و أحزان

في زنزانة بعيدة يسقط عليها الضوء من نوافذ زجاجية طويلة و قطع من السماء الصافية كانت بيتا لي و ملاذا , جلست أكتب و ما أزال أسمع الصمت في أذني , الليل قد هبط مبكرا و ثقيلا جدا , أرى من النافذة جماعات من الناس تجري بلا أتجاة مخلفة وراءها صمتا شديدا
أسندت ظهري الى الحائط , راقبت نورا شاحبا يدخل من زجاج , مدينتي خلت من الرجال , سألت الغرباء عن وطني , طرقت الأبواب و لم يفتح لي

في طفولتي البعيدة ظللت أحلم بأننا أحرار
في طفولتي البعيدة ظللت أحلم بأن هناك دار
في طفولتي البعيدة ظللت أحلم بسماء لا تمطر طوال النهار
نكدا و كوابيس و محارق و مفارق و سحابات سوداء
فجأة أفقت من الحلم و أنا في طفولتي البعيدة يومها
أكتشفت أن طفولتي البعيدة قد ترملت في وضح النهار
قلت ليتني أستطيع أن أرحل بعيدا
ألى أين أذهب وأنا كلي هنا ؟
الى أين أذهب ووطني هو كل دار
هل أعتذر عن حلم حلمت بة في طفولتي البعيدة بأننا أحرار
هل أعتذر عن الشوارع التي لم تعد تحتمل أم عن مدينة سكن الناس فيها القبور في ضمير مثقل بالذنب و العجز هناك تجد الضحك يسقط قبل أن يصل الى الأذن , تنمو هناك بين سكانها الذين يتجاوز عددهم المليون من الأحياء الذين يتقاسمون مع أمواتهم الطعام والشراب والنوم أنواع غريبة من الذوق و من الضمير و من القيم ..تصعد الشارع و تنتشر في المدينة و تملاء الأسواق
أم عن الذين يولدون و ينامون و يموتون على الأرصفة و يعيشون و يصاحبون القطط و الكلاب في بحثهم عن الطعام في صفائح القمامة ثم يموتون و نحن نحس بالبلادة
أم عن 44% من الشعب الذين يعيشون تحت خط الفقر و الملايين في العشوائيات , مدفونين بين الوتى في المقابر , اسر الشوارع الذين طردوا من عششهم الى الشوارع بعد هدم المحافظة العشش حتى يتم تسكينهم في بيوت متواضعة لا تكون في كثير من الأحيان بأفضل حالا من التي كانوا فيها .
أم عن ملايين من البشر التي طوحت بها جرافات الزمن خارج الحياة
أم عن عشوائية الحياة اليومية التي نعيشها بدأ من آلات تنبية تحطم الأعصاب مرورا براكبي موجة فن جديدة تسمى موجة شبابية آمثال صبح صبح و مطربة الرووف يحرصون على تقديم عروض تافهة , مليئة بالكلمات الغريبة البذيئة التي لا علاقة لها بالفن و لا الثقافة بل هي تدمر وجدان الشعب و تأثيرها عليهم كالمخدرات التي تغيب العقول .
أم عن سيارات تمرق كالصواريخ في الشوارع بلا خوف من عقاب و لا رادع , أو مواطن يغرق في بلاعة مجاري , أو طفل يلامس عمود نور فصعقتة أسلاكة العارية أو قطار يخترق مدينة فيدهس أهلها أو عبارة يغرق ركابها ...... و الجزاء ...... لا شئ ؟
أحياء كاملة غارقة في القمامة , أحياء كاملة غارقة في الصرف الصحي , أحياء كاملة بنيت بشكل عشوائي
سائقي الموت الذين يتسببون سنويا في مقتل ما يزيد عن 6000 و أصابة 20 ألف بالعاهات و التشوهات
نحن بأختصار لا نعرف قيمة أسمها.......الانسان
العلاقة وثيقة بيننا و بين العشوائية , أكثرنا يلقي نفسة في أحضانها ايثارا للكسل العقلي و كراهية للأصول و القواعد و قد تكون أيضا بسبب الفقر أو النشأة ... العشوائية تترسخ و تنتشر و تواجهنا في كل مكان و عمل صغيرا كان أو كبيرا ... رسميا أو شعبيا ....فيروس يتغلغل في أجسامنا و عقولنا و أرواحنا و يهمن تماما على سلوكياتنا

في كتابة"العواصف " يتحدث جبران خليل جبران و كأنة يصف حالنا " الشرقيون يعيشون في مسارح الماضي الغابر و يميلون الى الأمور السلبية المسلية المفكهة , و يكرهون المبادئ و التعاليم الأيجابية المجردة التي تلسعهم و تنبههم من رقادهم العميق المغمور بالأحلام الهادئة . انما الشرق مريض قد تناوبتة العلل و تداولتة الأوبئة حتى تعود السقم و الف و أصبح ينظر الى أوصابة و أوجاعة " كصفات طبيعية ......أنا أبكي على الشرقيين لأن الضحك على الأمراض جهل كبير. أنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة لأن الغناء أمام المصيبة غباوة عمياء

إن المشكلة المصرية التي تواجهنا اليوم و التي لانريد أن نعترف بها و نهرب منها دائما هي أننا شعب مستسلم لا إرادة لنا نبحث عن لقمة العيش لكي نسد بها رمقنا و هِدمَة تستُر أجسادنا و عِشّة نسكنها نكتظ فيها بأجسادنا كوما من اللحم البشري لانه قد ضاعت منا كل معاني الانسانية التي تُكوّن أسس الحضارة المدنية. نحن شعب يتعايش مع مشاكله و في أسلوب و طريقة معيشته يرفض أن يرفع صوته أو أن يحتج لان الاحتجاج قد يكلفه مصدر رزقه أو حياته و السبب هو إننا نحن المصريين نعيش حياة إنفصاليه متقوقعة لايهمني من جاري الا ما يمسني و إن مَسّ جاري ضَرُّ لم يمسني فالصمت ملجأي حتي لا يأتي عليّ الدور و يمسني ما مس جاري من قبلي .
فالشارع المصرى لاعلاقة له بسياسة ولا غيره,الشارع المصرى غارق فى خوفه من الغد ورغبة مشبوبة تجتاح الاغلبية الساحقة بالهرب من البلد,الاف من الشباب يؤمون كل يوم سفارات الغرب والشرق بحثا عن رحلة ذهاب بلاعودة!!!والمواطن البسيط يرفض الانخراط فى لعبة ليست لعبته,انه يتظاهر انه مع الجميع وعندما يخرج من طوقهم يلعن ابوهم كما يقول رجل الشارع !!!
فمصر قد يتورد جسدها الي حين لكنه سيظل ميتا ما لم نُحيِهِ أولا و الحياة لن تأتي الي مصر لمجرد إننا نضخ التكنولوجيا التي أنتجتها الشعوب الحية في مصر الميّته فالدش و المحمول و الكمبيوتر في كل بيت في مصر و مع ذلك مازالت مصر ميته... الجامعات و الكليات غطت مصر من شرقها الي غربها و من شمالها الي جنوبها و الخريجين و حملة الشهادات يملأون شوارع مصر و مازالت مصر ميته ... مصر غطت سواحلها الشرقية و الشمالية بالمنتجعات و القري السياحية علي أحدث الطرز العالمية... مصر لديها قناة السويس و تصدر البترول و الغاز الطبيعي و مازالت مصر ميته اليوم يجب أن يكون هناك صوت صارخ يخترق آذان مصر الميته و ينفذ الي قلبها الذي توقف عن النبض صوتا تصل ذبذباته الي جفونها المسبلة و يفتحها عنوة ليدخل النور اليها فتصحو مصر و تستيقظ من رقاد موتها و تقوم لنهضتها